شكيب أرسلان

112

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

طرابلس ، وصفاقس ، وسوسة ، وجبل « 1 » نفّوسة ، وفتح قابس بالسيف ، وأطاعه أهل قفصة ، وإذا بأسطول صقلية آت مددا للإفرنج في المهدية ، وكان عدده ( 150 ) شينيا غير الطرائد ، وكان هذا الأسطول غزا جزيرة يابسة ( بقرب ميورقة من جزر إسبانية ) وسبى أهلها ، فأراد الدخول إلى ميناء المهدية ، فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن ، وركب العسكر جميعه إلى جانب البحر ، فانهزمت شواني الإفرنج ، وتبعهم المسلمون ، وأخذوا منهم سبع شواني ، وعاد أسطول المسلمين مظفّرا منصورا ، ويئس إفرنج المهدية من النجاة ، ومع ذلك فقد صبروا على الحصار أربعة أشهر أخرى ، إلى أن نزل من فرسانهم عشرة ، وسألوا عبد المؤمن الأمان على أن يخرجوا بأموالهم ، وكان قد فني عندهم القوت ، حتى أكلوا الخيل ، فعرض عبد المؤمن عليهم الإسلام فقالوا : ما جئنا بهذا ، وإنما جئنا نطلب فضلك ، وتردّدوا إليه أياما ، وقالوا : إذا أنعمت علينا كنا لك أرقاء في أرضنا ، فعفا عنهم ، وكان الفضل شيمته ، وأعطاهم سفنا ، ركبوا فيها إلى بلادهم ، وكان الفصل شتاء ، فغرق أكثرهم قبل الوصول إلى صقلية ، وكان صاحب صقلية قد قال : إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين عندنا بجزيرة صقلية ، وأخذنا حرمهم وأموالهم ، فأهلك اللّه الإفرنج غرقا ، وكانت مدة استيلائهم على المهدية اثنتي عشر سنة ، انتهى كلام صاحب « الاستقصا » ملخّصا . وذكر ياقوت في « معجم البلدان » المهدية ، ووصف حصانتها بأكثر مما وصف صاحب « الاستقصا » وقال : إنّها من بناء المهدي العبيدي الفاطمي ، وإن روجار صاحب صقلية أنفذ إليها جرجي سنة ( 543 ) واستولى عليها ، وبقيت في يد الإفرنج اثنتي عشرة سنة ، حتى قدم عبد المؤمن سنة ( 555 ) فأخذها ، ولم تغن حصانتها في جنب قضاء اللّه شيئا . انتهى .

--> ( 1 ) [ في الأصل : جبال ] .